الثعلبي

243

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه : إن الله سبحانه وتعالى قال لأرميا عليه السّلام حين بعثه نبيّا إلى بني إسرائيل : يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك ، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أمّك قدّستك ، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك . فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى ، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم ، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ . فقال أرميا : إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني . فقال الله تعالى : أنا ألهمك ، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول ، فألهمه الله عزّ وجلّ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية . وقال في آخرها : وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم . فأوحى الله تعالى إلى أرميا : إنّي مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث ، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح ، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضر عليه السّلام وبكاه ناداه : يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب ، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به . فقال الله عزّ وجلّ : وعزّتي لا أهلك بني إسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك ، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه ، وقال : والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل ، ثم أتى الملك فأخبره بذلك . وكان ملكا صالحا . فاستبشر وفرح وقال : إن يعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته . ثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلّا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا ، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس ، فلما فصل سائرا أتى الخبر الملك فقال لأرميا : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال أرميا : إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ * وأنا به واثق . فلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم ، بعث الله إلى أمريا ملكا قد تمثّل له رجلا من بني إسرائيل .